علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

146

ثمرات الأوراق

منه ، وسمح له بذلك وزوّده ، وكتب معه إلى المطران يخبره برتبته عنده ، وأنّه يحلّه في أعلى المراتب ، ويستضيء برأيه إذا أشكل عليه أمر . فقدم وزير سابور على المطران ، فعرف له حقّه ، وأنزله في قبّته ، وجعل زمام أمره ونهيه بيده ، وصار الوزير يستميله بما يميل إليه ، ويطرفه في كلّ ليلة بطرف الأخبار ، رافعا بها صوته ليسمع سابور حديثه ، فيتسلّى بذلك ؛ ويدسّ في أحاديثه ما يريد أن يعلمه به ، ويبطنه من الأسرار ؛ فكان سابور يجد بذلك راحة عظيمة . وكان الوزير قد أعدّ لخلاص سابور أنواعا من المكايد رتّبها عندما قدم على المطران ، منها أنّه امتنع عن مؤاكلة المطران ، وأخبره أنّه لا « 1 » يخلط بطعام البطرك غيره لأجل بركته ، فكان إذا حضر طعام المطران أخرج هو ذلك الزّاد الذي معه ، وانفرد بالأكل وحده ، فلم يزل قيصر سائرا بجنوده حتى بلغ أرض فارس ، فأكثر فيها القتل والسّبي وتغوير « 2 » المياه وقطع الأشجار وخراب القرى والحصون ، وهو مع ذلك يواصل السّير ليستولي على دار ملك سابور قبل أن يشعروا فيملّكوا عليهم رجلا منهم . ولم يكن للفرس همّ إلّا الفرار من بين يديه ، والاعتصام بالمعاقل والحصون ، فلم يزل قيصر على تلك الحال حتّى بلغ مدينة سابور وقرار ملكه ، فأحاط بها ، ونصب عليها آلات الحصار ، ولم تكن عندها قوّة ولا منعة في دفعه أكثر من ضبط الأسوار والقتال عليها ، وكلّ ذلك فهمه سابور من كنايات الوزير في محاضراته للمطران ، ولكن لم يسمع له كلمة من حين سجنه قيصر في تلك الصّورة . فلمّا علم سابور أنّ قيصر قد ثقلت وطأته ، وأشرف على فتح البلد عيل صبره ، وساء ظنّه ، ويئس من الحياة ، فلمّا جاءه الموكّل بطعامه ، قال له : إن هذه الجامعة « 3 » قد نالت منّي منالا ضعفت قوّتي عن احتماله ، فإن كنتم تريدون بقاء نفسي فنفّسوا عنّي منها ، واجعلوا بينها وبين يدي وعنقي خرقا من الحرير . فجاء الموكّل بالطّعام إلى المطران ، وأعلمه بالّذي قاله سابور . فسمعه الوزير ، وعلم أنّ سابور قد جزع وساء ظنّه ، وفطن لما أراد سابور . فلمّا جنّ اللّيل وجلس لمسامرة المطران ، قال له : قد ذكرت اللّيلة حديثا عجيبا ما ذكرته منذ كذا وكذا ، وددت أنّني كنت حدّثت به البطرك قبل سفري ، فقال له المطران : إنّي أرغب إليك أن تحدّثني اللّيلة أيّها الرّاهب الحكيم ، فقال الوزير : حبّا

--> ( 1 ) ب : « لم » . ( 2 ) تغوير المياه : إذهابها . ( 3 ) الجامعة : القيود .